إخوان الصفاء
411
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فخرا ، وقد أشرنا إليها ونبّهنا عليها ، إذ كانت هي القائدة إلى العلوم الإلهية ، فنريد أن نذكر أشرف الصنائع الطبيعية والتركيبات الجسمانية ، وأجلّ ما ينتهي إليه من ذلك الإنسان ، وبه يفضّل على من دونه من جنسه ويصير إليه ، مثل الحيوان ، بالحاجة إليه والخضوع بين يديه . وهذا القسم أيضا ضرب من السحر ، إذ كان العالم بأسره مربوطا بمحبته ، وحريصا على طاعته ، وهو معرفة قلب الأعيان من كيان إلى كيان ، وتحويل خاصّة الشيء من مكان إلى مكان في الأوقات التي تنبغي له من الزمان ، ثم ما دون ذلك من الصنائع ، فعليه نصبت ومن أجله علمت ، لينال منه كلّ بحسب القدرة والاستطاعة . وإنما سمينا رسالتنا هذه « رسالة السحر والعزائم » وبيّنا القول فيها : ماهيّته وكميّة أقسامه ، وكيفية أفعاله ، ليستدلّ إخواننا الأبرار على الأسرار الخفية ، إذا نظروا فيها بالنفس المضيئة والقرائح الزكية ، وأدمنوا النظر في استقرائها بالفكر والرويّة ، وليكونوا ، إذا بلغوا إلى معالي العلوم وشرائف الصنائع ، ذوي غنى عن الحاجة إلى من سواهم في جميع ما يحتاجون إليه من أمر معيشة الدنيا . فإذا وصلوا إلى هذه المرتبة وحصلوا هذه المنزلة ، صحّ لنا أن نسميهم بإخوان الصفاء . واعلم يا أخي أن حقيقة هذا الاسم هي الخاصّة الموجودة في المستحقين له بالحقيقة لا على طريق المجاز . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه تعالى ، أنه لا سبيل إلى صفاء النفس إلّا بعد بلوغها إلى حدّ الطّمأنينة في الدين والدنيا جميعا ، وهي أن يعرف الإنسان - بحسب قدرته وبلوغ استطاعته - توحيد اللّه جلّ جلاله ، والمعرفة بحقائق الموجودات وغرائب المكوّنات ، بإذن اللّه تعالى باريه الذي خلقه وأبدعه وبرأه ، وعبادته وتنزيهه وتمجيده عمّا يجده في مخلوقاته ويشاهده في مصنوعاته ، وبعد ذلك ما يكون به صلاح معيشة الدنيا والغنى عن الحاجة فيها إلى من عدم هذه